أبي طالب يحيى بن الحسين الهاروني
8
تيسير المطالب في أمالى أبى طالب
ورجل ثالث سمع من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شيئا يأمر به ثم إنه نهى عنه وهو لا يعلم ، فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه ، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه . وآخر رابع لم يكذب على اللّه ولا على رسوله ، مبغض للكذب خوفا من اللّه ، وتعظيما لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولم يهم « 1 » ، بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على ما سمعه لم يزد فيه ، ولم ينقص منه ، فهو حفظ الناسخ فعمل به ، وحفظ المنسوخ فجنّب عنه ، وعرف الخاص والعام ، والمحكم والمتشابه ، فوضع كل شيء موضعه . وقد كان يكون من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم الكلام له وجهان : فكلام خاص ، وكلام عام ، فيسمعه من لا يعرف ما عنى اللّه سبحانه به ، ولا ما عنى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من أجله ، وليس كل أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم من كان يسأله ويستفهمه حتى إن كانوا ليحبون أن يجيء الأعرابي والطارئ ، فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا ، وكان لا يمر بي من ذلك شيء إلا سألته عنه وحفظته ، فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم « 2 » . وهذا المنهج العلوي هو أقدم وثيقة علمية في الفكر الحديثي ، ثم سار على نهجه الحسنان عليهما السلام ، وذريتهما المباركة ، وبذلوا جهودا عظيمة في خدمة السنة ، وتمييز صحيحها من سقيمها ، ومقبولها من مردودها ، وقاوموا جميع الجبهات المشبوهة ، التي اتخذت الإسلام ستارا ، والسنة غطاء ، لتمرير مخططاتها المشئومة ، وانحرافاتها المذمومة ، وما خروج الإمام الحسين بن علي عليه السلام وحفيده الإمام زيد بن علي عليه السلام واستشهادهما ، إلا أحد الأدلة على ذلك .
--> ( 1 ) لم يخطئ ولم يظن خلاف الواقع . ( 2 ) نهج البلاغة ( 325 - 328 ) بتحقيق صبحي الصالح .